الطبراني
383
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
والفساد ، والدعاء إلى غير عبادة اللّه . والبغي في اللغة : التّرامي إلى الفساد ، يقال : بغى الجرح بغيا إذا ترامى إلى الفساد ، وبغت المرأة إذا فسدت . قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي إنّما ظلمكم وتطاولكم يعود ضرره عليكم ، ويرجع وباله إليكم ، وقوله تعالى : ( مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) أي هو تمتّع قليل في الدّنيا ، ومتاع يذهب ويفنى ، ويجوز أن يكون قوله : ( مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) خبر لقوله ( إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ) أي لا يتهيّأ لكم إلّا أن يبغي على بعض في مدّة يسيرة من الدّنيا مع سرعة انقضائها ، ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ ؛ بعد الموت ، فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 23 ) ؛ وقرأ حفص ( متاع ) بالنصب على المصدر . قوله تعالى : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ ؛ معناه : إنما صفة حياة الناس الدّنيا وهي الحياة الأولى ، صفة ما أنزل اللّه فينبت به أنواع النبات ، واختلط بعضه إلى بعض ؛ لأن المطر يختلط بالنبات ويدخل في خلاله . قوله تعالى : مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ ؛ أي مما يصير إلى الناس من الحبوب والثمار ، وبعضه علفا للدّواب من العشب والكلإ . قوله تعالى : حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ ؛ أي زيّنها من النبات ، والزّخرف : حسن الشّيء ، وقوله ( وازّيّنت ) أي تزيّنت بنباتها وأثمارها من الأحمر والأصفر والأخضر وسائر الألوان التي لا غاية لها في الحسن بعدها . قوله تعالى : وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها ؛ حسب أهلها إدراك الانتفاع بها . قوله تعالى : أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً ؛ أي أتاها عقابنا في ليل أو نهار ، إما ببرد أو بصواعق محرقة أو غيرها ، ويسمّى العقاب أمرا ؛ لأنّ أفعال اللّه سبحانه تضاف إليها بلفظ الأمر ؛ لأنّ ذلك أدلّ على سرعة السّكون من غير استبطاء ولا تعب . قوله تعالى : كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ؛ أي كأن لم يكن بذلك المكان شيء من الخضر والحسن والنبات ، والمغنى : هو الموضع الذي يقام فيه ويعمر ، والمغاني : المنازل التي يعمّرها الناس بالنّزول بها ، كما يقال غنينا بمكان كذا إذا نزاد به ، ووجه